الثعلبي
187
الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )
وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ ، روى عبد اللّه بن الزبير بن العوام عن أبيه قال : لقد رأيتني مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حين اشتد علينا الخوف أرسل اللّه علينا النوم ، واللّه لا نسمع قول مصعب بن عمير والنعاس يغشاني ما أسمعه إلّا كالحلم يقول : لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا ، فأنزل اللّه تعالى ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ يا معشر المؤمنين وأهل اليقين ، أَمَنَةً يعني أمنا ، وهي مصدر كالعظمة والغلبة ، وقرأ ابن محيصن : أَمْنَةً بسكون الميم . نُعاساً بدل من الأمنة يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ ، قرأ ابن محيصن والأعمش وحمزة والكسائي وخلف : ( تغشي ) بالتاء ردا إلى الأمنة ، وقرأ الباقون : بالياء ردا إلى النعاس ، وهي اختيار أبي عبيد وأبي حاتم ، قال أبو عبيد : لأن النعاس يلي الفعل ، فالتذكير أولى به ممّا بعد منّه . قال ابن عباس : آمنهم يومئذ بنعاس يغشاهم بعد فرق ، وإنما ينعس من يأمن والخائف لا ينام ، ونظيره في سورة الأنفال في قصة بدر . روى حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس عن أبي طلحة قال : رفعت رأسي يوم أحد فجعلت ما أرى أحدا من القوم إلّا وهو يميد تحت جحفته من النعاس . قال أبو طلحة : وكنت ممّن ألقي عليه النعاس يومئذ ، وكان السيف يسقط من يدي فآخذه ، ثم يسقط السوط من يدي من النوم فآخذه . وَطائِفَةٌ يعني المنافقين ، وهب بن قشير وأصحابه ، وهو رفع على الابتداء وخبرها في قوله : يَظُنُّونَ . . . قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ أي حملتهم على الهمّ ، يقال : أمر مهم ، ومنه قول العرب : همّك ما أهمّك . يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ أي لا ينصر محمدا ، وقيل : ظنوا أن محمدا قد قتل ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ أي كظن أهل الجاهلية والشرك يَقُولُونَ هَلْ لَنا أي ما لنا ، لفظ استفهام ومعناه هل مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ يعني النصر قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ . قرأ أبو عمرو ويعقوب : ( كُلُّهُ ) على الرفع بالابتداء وخبره في قوله : لِلَّهِ وصار هذا الابتداء والجملة خبرا لإنّ ، كما يقول : إن عبد اللّه وجهه حسن ، فيكون عبد اللّه مبتدأ ووجهه ابتداء ثانيا وحسن خبره ، وجملة الكلام خبر للابتداء الأول . وقرأ الباقون : ( كُلَّهُ ) بالنصب على البدل ، وقيل : على النعت . وروى مجاهد عن الضحاك عن ابن عباس في قوله تعالى : يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ يعني به التكذيب بالقدر ، وذلك أنّهم يظنوا في القدر ، فقال اللّه عزّ وجلّ : إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يعني القدر خيره وشرّه من اللّه وهو قولهم : لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا